سيرة الشهيد مِرقوريوس

ولد القديس الشهيد العظيم فيلوباتير مرقوريوس حوالى 225م .من أبوين كانا وثنيين فى مقاطعة سكيتوس بشرق الأمبراطورية الرومانية وكانت غائلة القديس تشتهر بصيد الوحوش وذات يوم خرج والد القديس ويدعى جورديانوس مع أبيه ميرس لصيد الوحوش كعادتهما فنصبا الشباك فى الغابة وعندما وقع الصيد فى الشباك ودوت الأجراس وخرج الجد والأب من مخبئهما لينظرا الصيد واذ بهما يجدان وحشان ذوى أجسام ضخمة فى منظر رهيب جداً انقضا على جد القديس والتهماه ثم التفتا الى والد القديس ليفتكا به ومن هول المنظر سقط مغشياً عليه حينئذ رأى رؤية عجيبة وسمع صوتاً يناديه قائلاً :

“يا جورديانوس لاتخف ولاتضطرب فانى ترس لك ومنقذك أنا يسوع المسيح الرب الهك الذى أحبك خالق السماء والأرض والبحار وكل ما فيها أنا عارف أعمالك واستقامة قلبك فلهذا أعلمك انى أبغض عبادة الأوثان مصنوعات الأيادى مع من يتمسك بها وانى أخبرك أن زرعك يكون مع الأشجار الحاملة الأثمار الطاهرة وولدك يكون مثل الحجر الجوهر الذى يضىء بالنهار والليل وبسببه تتبارك أنت وزوجتك لأنى وهبته لا أن يؤمن بى فقط بل أن يتألم أيضاً من أجل اسمى “

فلما استرد جورديانوس وعيه فاذ بسلام تام ينتابه وفرح عظيم بالبشارة فقام ورجع فى الحال الى منزله ولم عاد الى منزله بادرته زوجته عن سبب تأخره فبدأ يروى لها كل ما حدث وما حل بأبيه ثم أخبرها بالتعزيات السمائية والرؤيا التى رآها وهنا قالت زوجته :” ان نفس الصوت الذى ناداك ، قد أرسل الى ملاكه وأخبرنى عن هذه الأمور فى نفس هذه الليلة وأن النعمة التى ننالها هى من قبل اله النصارى الذى وهب لنا هذا الولد الذى ليس فى جنسه أحد يشبهه ” وفى الغد مضى جورديانوس وأسرته الى الأسقف وعرفه بالرؤيا التى شاهدها وسأله أن يعمدهم ولما وصل خبر اعتناق جورديانوس وأسرته الديانة المسيحية الى حاكم المدينة أمر بالقبض عليهم وطرحهم للوحوش المفترسة ولكن الرب الذى أرسل ملاكه قديماً وسد أفواه الأسود فلم تؤذ دانيال أنقذهم بقوته العلوية فلم تمسهم الوحوش الضارية وعندما نظر الحاكم هذه الأعجوبة العظيمة ، تقدم الى جورديانوس طالباً الصفح وتعويضاً لما أصابه من اهانات ،ولاه رئاسة الجند ولم يكتف بذلك بل خلع عليه وعلى الإمارة على احدى المقاطعات وبعد فترة من الزمن توفى الأمير جورديانوس ثم التحق فيلوباتير بالجيش وتدرج فى سلك الجندية فكان غالباً فى الحروب كوعد الملاك له وأظهر من الشجاعة والجسارة والمهارة العسكرية ودرايته ويده الماهرة المتدربة على فنون الحرب مما أدهش عقول الجميع به فأطلقوا عليه اسم مرقوريوس وتحقق كلام الملاك لوالديه بأنه سيكون ظافراً فى الحروب ويدعى مرقوريوس .

استشهاد القديس فيلوباتير مرقوريوس

بينما كان الامبراطور ديسيوس منشغلاً بشن حملة اضطهاده للمسيحين ، هجم البربر على حدود الامبراطورية فأسرع الملك وأصدر أوامره باستدعاء وتجميع كل فرق الجيش ومن بين أولى فرق الجيش فرقة تدعى مارتيسيون وكان ضمن قواد الفرقة قائد عظيم مشهور جداً اسمه فيلوباتير يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً وقد أطلق عليه اسم مرقوريوس لمهارته الحربية وانتصارته العديدة التي أحرزها وكان مسيحياً حقاً وذات يوم بينما كانت المعركة فى أشد مراحلها وأثناء قيام القائد مرقوريوس بخدمته الوطنية ظهر له ملاك الرب فى شبه رجل منير ممسكاً سيفاً لامعاً بيده اليمنى أخذ يقترب منه وناداه قائلاً :

“يا مرقوريوس عبد يسوع المسيح ، أنا ملاك الله ،الرب أرسلني لأساعدك وأقودك للنصر فلا تخف ولا يضعف قلبك خذ هذا السيف من يدى وحارب به البربر وعندما تغلب لاتنسى الرب الهك “

وبمجرد أن أمسك القديس السيف بيده اليمنى شعر بقوة الهية تغمرهوللحال أسرع بالسيفين وبادر فى الحرب وقتل ملك البربر وحدث فى الليلة التالية أن ملاك الرب الطاهر ميخائيل رئيس القوات السمائية جاء ووقف بجانبه ولمس جنبه وقال له:

“يا مرقوريوس أنا ملاك الرب الذى قابلتك فى الحرب ودفعت اليك سيف الغلبة الذى غلبت به أعدائك . وقد أوصيت أن تذكر الرب متى غلبت وظفرت والآن لاتجزع ،ولاترهب أمر الملك ان الله قد أرسلنى لأخبرك بما هو معد لك ، لأنك ستنال عذاباً عظيماً على اسم ربنا يسوع المسيح ، وتتألم من أجل اسمه القدوس وسأكون حافظاً لك وسأقويك حتى تكمل شهادتك وستسمع كل المسكونة عن جهادك وصبرك ويتمجد اسم الرب فيك .”

وفى اليوم التالى ،قامت الاحتفالات وحضر الملوك والأمراءولفيف من الشخصيات العظيمة وكهنة الأوثان وعند وصول موكب رئيس الجيش البطل مرقوريوس قام ديسوس لاستقباله أمام الجموع ورحب به باعتزاز وفخر عظيمين مادحاً اياه بأنه الأمير المنتصر وبطل روما العظيم قاهر البربر ثم خرج الامبراطور وحوله موكبه العظيم وأثناء سيرهم فى الطريق الى المعبد ، انسحب البطل مرقوريوس بهدوء ورجع الى الايوان فوشى به أحد الأشخاص الحاقدين لدى المبراطور وفى الحال أمر الامبراطور ديسوس باحضار القائد الأعلى بكل الكرامات الواجبة له وخاطبه الامبراطور قائلاً:

لماذا استهنت بالكرامات العظيمة التى منحتها لك ؟ ..فانك بسلوكك هذا تزدرى بالآلهة

وهنا أجاب البطل مرقوريوس ، الجندى المخلص للسيد المسيح الذى خلع الانسان العتيق مع كل أعماله وصاح بصوت الهى مجيد وبعزيمة قوية قائلاً :

“عرياناً خرجت من بطن أمى وعرياناً أعود الى هناك “

وللحال خلع البطل مرقوريوس الأوسمة العسكرية والمنطقة المذهبة وألقى بها عند أقدام الامبراطور مجاهراً بايمانه : “انا مسيحى ، اسمعوا جميعاً ، أنا مسيحى” وللحال ثارت ثائرة الملك ، فرفع يده مصدراً أمراً بالقائه فى السجن وبالفعل أخذه الجند وألقوهفى السجن . أما شهيد ربنا يسوع المسيح فكان فرحاً متهللاً بالروح وممجداً الله وبينما كان القديس مستغرقاً فى صلاة عميقة داخل الزنزانة الشديدة الظلام ، ظهر له ملاك الرب مخاطباً اياه قائلاً :

“افرح يا مرقوريوس ولاتخش من عذابات هذا الطاغى وثق بالرب يسوع المسيح الذى جاهرت به لأنه قوى وسيخلصك من جميع شدائدك “

وفى اليوم التالى ، حضر الامبراطور ديسيوس الى ساحة الاجتماعات وأمر باحضار القديس وقال له : اذهب يا مرقوريوس وارفع البخور للآلهة الكرام لتحيا نفسك وسأجعلك ثانى المملكة وأجابه القديس : “يا سيدى الملك ان آلهتك هى التى قال عنها معلمنا داوود: أصنامهم فضة وذهب عمل أيدى الناس لها أفواه ولاتتكلم . لها أعين ولاتبصر . لها آذان ولا تسمع .. مثلها يكون صانعوها وكل من يتكل عليها .”

فاستشاط الامبراطور غضباً وعدم كل حيلة فى اخضاع القديس لأوامره وفى الحال أمر بأن يجرد القديس من ثيابه وأن يربط بين أربعة أوتاد على ارتفاع ذراع واحد من الأرض وأن يضرب بدبابيس طويلة حادة فى جسده بدلاً من الجلد أما القديس فلم يجب بكلمة واحدة على الملك بل رفع عينيه الى السماء متأملاً فيها قائلاً : “ربى يسوع المسيح ، اسرع الى معونتى “

حينئذ أمر الامبراطور ديسيوس بأن يمزقوا جسد القديس بأمواس حادة وأن يشعلوا تحته جمراً ليحترق ولكن سرعان ما انطفأت النار بسبب سيول الدماء النازفة بغزارة من جسده وسحب الجند القديس وألقوه على الأرض داخل السجن المظلم ، وأغلقوا عليه وكان يلتقط أنفاسه بصعوبة شديدة وبينما هو على هذه االحالة أضاء السجن بنور شديد وظهر له ملاك الرب وقال له:

” السلام لك أيها المجاهد المثابر ،الغالب ، تقوى فان الرب يعضدك ويقويك لكى تغلب هذا الملك وتفضحه هو وأوثانه . لاتخف من عذاباته لأنك بعد زمان قليل ستنعم بملكوت السموات فى أورشليم السمائية ، مدينة الأطهار ” ثم لمس جراحاته وشفاه من كل ألم حتى أنه نهض ووقف ليمجد ويسبح الله الذى سنده وقواه

وفى اليوم التالى ، أمر الامبراطور باحضار القديس مرة أخرى أمامه وعند وصوله خاطبه قائلاً : عندما حملوك من أمامى الليلة الماضية ، كنت على وشك الموت . فكيف أراك الآن معافى وقادراً على المشى ؟ هل لا يوجد أى اصابات فى جسدك ؟ ثم قال ديسيوس : انه بالتأكيد سيقول أن المسيح هو الذى شفاه وأعطاه الصحة انه سحر المسيحيين كيف كان بالأمس مجرد جثة هامدة وها هو اليوم واقف على قدميه ثم أمر باحضار أسياخ حديدية محماة وأن يضعوها تحت القديس وأن يسلطوا على جانبيه مشاعل نارية متوهجة وعدما تنفيذ هذا الأمر ، فوجىء الجند انه بدلاً من أن يتصاعد الدخان ، انتشرت رائحة زكية وقوية عطرت الجو وبالرغم من أن القديس كان يذوق أشنع العذابات الا أنه لم يئن على الاطلاق محتملاً الألم فى صمت وشكر لأن الرب كان يقويه ثم أمر ديسيوس الجند بأن يعلق القديس فى شجرة منكس الرأس وأن يربط فى عنقه حجر ضخم ، مما يسبب له اختناقاً فيموت سريعاً لقد ظن جميع الحاضرين أن مرقوريوس قد قارب من الموت بعد كل ما ذاقه من عذاب ، ففكوه وحملوه الى السجن وهم منتظرين خروج روحه .. أما القديس فبالرغم من كل هذه الآلام ، قضى ليلته كلها فى الصلاة وهو مطروح على الأرض وكان متهللاً اذ حسب انه جندى صالح ليسوع المسيح لأنه اشترك معه فى احتمال المشقات

وبينما كان الشهيد يصلى اذ بنور عظيم أضاء كل أركان السجن ، فسقطت كل القيود المربوط بها .. وفى وسط هذا المجد ظهر ملاك الرب يخاطبه قائلاً :

“تقوى واغلب يا حبيب المسيح ولا تبالى بالعذاب المؤقت “

ثم مد الملاك يده ولمس حروقه وجراحاته ، فشفى القديس فى الحال وزال عنه كل أثر للجروح وفى الغد سأل ديسيوس عن مرقوريوس وهو متأكد أنه قد فارق الحياة وكانت المفاجأة المحزنة له أن الجند قد أخبروه بأنهموجدوا مرقوريوس مازال على قيد الحياة معافى تماماً كما كان قبل التعذيب وهنا أدرك ديسيوس أن القديس مرقوريوس يتحمل العذاب مثابراً وليس هناك أمل فى اقناعه ، لذا أمر بأن يحضروا سوطاً مثبتاً فى أطرافه أربعة قطع حديدية وأن يجلدوه حتى يتناثر لحمه وينزف دمه ولما رأى ديسيوس أن عزم القديس لن يتزعزع وأنه لا أمل فى اقناعه بالتبخير للآلهة ازداد قلبه خوفاً وحقداً وأراد أن يستبعده خارج روما لئلا يحدث شغب بين فرق الجيش بسببه ، وكتب قضيته هكذا :

“حيث أن الأمير مرقوريوس القائد الأغلى للجيوش الرومانية قد أنكر الآلهة الكرام ورفض طاعة الأوامر الملكية فاننا نأمر بأن يمضى به الى قيصرية الكبادوك لتؤخذ رأسه هناك بحد السيف “

أم أولئك اللذين قاموا بنقل القديس ، فقد أجلسوه على دابة وربطوه عليها لأن جسده كان كله ممزقاً ولحمه متناثراً بسبب الجلد الذى ناله وبينما كان القديس مستغرقاً فى الصلاة ، ظهر له السيد المسيح له المجد وسط جوقة من الملائكة وخاطبه بصوت حنون قائلاً:

” يا حبيبى مرقوريوس قد صعدت صلواتك وطلباتك الى فتعالى الأن لتستريح مع الأبرار لأنك جاهدت الجهاد الحسن وأكملت السعى وحفظت الايمان اذ حملت الصليب بفرح وأسلمت جسدك للعذاب ممن أجل اسمى القدوس لذلك سأعطيك اكليل الحياة وأجعل اسمك يكون شائعاً فى أربعة أطراف الأرض كما ستظهر قوات كثيرة فى البيع التى ستبنى على اسمك

والذى يكتب سيرة شهادتك والأتعاب التى قبلتها باسمى سأكتب اسمه فى سفر الحياة ومن يكفن جسدك على الأرض سألبسه الحلل النورانية فى يوم الدينونة وكل من يبنى بيعة على اسمك سأعد له مسكناً فى أورشليم السمائية كما أجعل الملاك ميخائيل رئيس الملائكة حارساً لكل بيعة على اسمك الى الأبد ويحفظ خطوات من يأتى اليها فى يوم تذكارك لسماع أتعابك وأخذ بركتك وأغمرهم بالرحمة والغفران وأقبل سؤالك من أجلهم والذى يقدم قرباناً (خمراً أو خبزاً أو بخوراً أو شمعاً ) فى يوم تذكارك أسامحه وأغفر له جميع خطاياه

وكل من يهتم بعمل وليمة للمساكين فى يوم عيدك أجعله مستحقاً للجلوس فى وليمة عرسى فى السماء وكل من يكون شدة ويدعونى باسمك أخلصه عاجلاً من شدته وكل امرأة عاقراً اذا سألتنى باسمك سأمنحها ولادة البنين وكل امرأة تكون فى مخاض الطلق وتسألنى باسمك أنا أفرج عنها سريعاً ومن يسمى ولده باسمك تكون بركتى عليه ولا يكون عنده غلاء ولا وباء طوال أيام حياته على الأرض “

ولما انتهى السيد المسيح من حديثه اختفى بعد أن باركه حينئذ فرح القديس جداً وسجد خاشعاً للرب يسوع المسيح والتفت الى السياف والجند المحيطين به قائلاً لهم:

“والأن افعلوا ما أمرتم به فالله الذى يدعو الجميع الى التوبة سيشملكم بننعمته لأنه غنى ويمنح الغفران لكل تائب يلتجىء اليه”

وبعد أن أكمل القديس هذه الكلمات تقدم السياف وقطع رأس القدييس بحد السيف ونال اكليل الشهادة وكان ذلك فى الساعة الثالثة فى اليوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر عام 250م المولفق اليوم الرابع أو الخامس من شهر ديسمبر حسب التقويم الحالى بركة صلواته تكون معنا ولربنا المجد الدائم آمين